محمد بن جرير الطبري

367

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لما قبضه الله بعد يوشع ، خلف فيهم يعني في بني إسرائيل حزقيل بن بوزي ، وهو ابن العجوز . وإنما سمي ابن العجوز ، أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت ، فوهبه الله لها ، فلذلك قيل له ابن العجوز . وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأَوباء من الطاعون أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت ، وهم ألوف . حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد ، قال لهم الله : موتوا فماتوا جميعا ، فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ، ثم تركوهم فيها ، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا . فمرت بهم الأَزمان والدهور ، حتى صاروا عظاما نخرة . فمر بهم حزقيل بن بوزي ، فوقف عليهم ، فتعجب لأَمرهم ، ودخله رحمة لهم ، فقيل له : أتحب أن يحيهم الله ؟ فقال : نعم . فقيل له : نادهم فقال : أيها العظام الرميم التي قد رمت وبليت ، ليرجع كل عظم إلى صاحبه فناداهم بذلك ، فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا . ثم قيل له : قل أيها اللحم والعصب والجلد اكس العظام بإذن ربك قال : فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأَشعار ، حتى استووا خلقا ليست فيهم الأَرواح ، ثم دعا لهم بالحياة ، فتغشاهم من السماء كدية حتى غشي عليه منه . ثم أفاق والقوم جلوس يقولون : سبحان الله ، سبحان الله قد أحياهم الله . وقال آخرون : معنى قوله وَهُمْ أُلُوفٌ وهم مؤتلفون . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد في قول الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ قال : قرية كانت نزل بها الطاعون ، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة . فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت ، والتي خرجت لم يصبها شيء . ثم ارتفع ، ثم نزل العام القابل ، فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا . فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت . فلما كان العام الثالث نزل ، فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم ، فقال الله تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال . قلوبهم مؤتلفة ، إنما خرجوا فرارا ، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة ، قال لهم الله : موتوا في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة ، فماتوا . ثم أحياهم الله ؛ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ قال : ومر بها رجل وهي عظام تلوح ، فوقف ينظر ، فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ذكر الأَخبار عمن قال : كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون : حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن الأَشعث ، عن الحسن في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال : خرجوا فرارا من الطاعون ، فأماتهم قبل آجالهم ، ثم أحياهم إلى آجالهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال : فروا من الطاعون ، فقال لهم الله : موتوا ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ،